عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

108

اللباب في علوم الكتاب

واختارها بعضهم لموافقتها لما أجمع عليه في « يوسف » : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ [ يوسف : 19 ] ، وفي مصاحف غيرهم بلامين . و « خير » يجوز أن يكون للتفضيل ، وحذف المفضّل عليه للعلم به ، أي : خير من الحياة الدنيا ، ويجوز أن يكون لمجرّد الوصف بالخيرية كقوله تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [ الفرقان : 24 ] و « لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ » متعلّق بمحذوف ؛ لأنه صفة ل « خير » والذي ينبغي - [ أو يتعيّن ] « 1 » - أن تكون « اللام » للبيان « 2 » ، أي : أعني للذين ، وكذا كلّ ما جاء من نحوه ، نحو : خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى [ الضحى : 4 ] . فصل في معنى الخيرية ذكروا في وجه هذه الخيريّة وجوها : أحدها : أنّ خيرات الدنيا [ خسيسة وخيرات الآخرة شريفة وبيان ذلك من وجوه : الأوّل : أن خيرات الدنيا ] « 3 » ليس إلّا قضاء الشّهوتين ، وهي في نهاية الخساسة ؛ لأن الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيها ، بل ربما [ كان ] « 4 » أمر تلك الحيوانات فيها أكمل من أمر الإنسان ، فالجمل أكثر أكلا ، والدّيك والعصفور أكثر وقاعا ، والذّئب أقوى على الفساد والتّمزيق ، والعقرب أقوى على الإيذاء « 5 » ، ومما يدلّ على خساستها أنها لو كانت شريفة لكان الإكثار منها يوجب زيادة الشرف فكان يجب أن يكون الإنسان الذي أذهب عمره في الوقاع والأكل أشرف الناس وأعلاهم درجة ، ومعلوم بالبديهة أنه ليس الأمر كذلك ، بل مثل هذا الإنسان يكون [ ممقوتا ] « 6 » مستحقرا ، يوصف بأنه بهيمة أو كلب ، أو أخسّ ، وذلك لأن الناس لا يفتخرون بهذه الأحوال ، بل يخفونها ، ولذلك عادة العقلاء عند الاشتغال بالوقاع يختفون « 7 » عن النّاس ، وأيضا فإن الناس إذا شتم بعضهم بعضا لا يذكرون فيه إلّا الألفاظ الدّالة على الوقاع ، وأيضا فإن هذه [ اللّذات ] « 8 » سريعة الانقضاء والاستحالة ، فثبت بهذه الوجود خساسة هذه الملذّات . وأما السّعادات الرّوحانية ، فإنها سعادات عالية شريفة ، باقية مقدّسة ، ولذلك فإن جميع الخلق إذا تخيّلوا في إنسان كثرة العلم والدّين وشدّة الانقباض عن اللّذات الجسمانية ، فإنهم بالطّبع يجيبونه ويخدمونه ، ويعدون [ أنفسهم ] « 9 » عبيدا لذلك الإنسان ، وأشقياء بالنسبة إليه ، وذلك يدلّ على خساسة اللّذات الجسمانية ، وكمال مرتبة اللذات الروحانية . الأمر الثاني : في [ بيان ] « 10 » أنّ خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدّنيا ، وهو أن يقال :

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : للشأن . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في ب : الإيلام . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) في ب : يخفون . ( 8 ) سقط في أ . ( 9 ) سقط في ب . ( 10 ) سقط في أ .